السيد كمال الحيدري

69

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

فأومأ بأصبعه إلى فمه ، فقال : « أُكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلَّا حقّ » . وهذا الخبر يحتوي بنحوٍ صريحٍ وواضحٍ على « أمر نبويّ » بالكتابة ، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن مصدر الفكرة الباطلة القائلة بأن رسول الله ( ص ) نهى عن كتابة حديثه ؟ وعن دوافع ومبرّرات سياسة المنع من تدوين الحديث النبوي التي أرسى قواعدها الخليفة عمر بن الخطّاب ، والتي استمرّت زهاء تسعين عاماً بعد رحيل رسول الله ( ص ) حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأجاز تدوين الحديث النبويّ وأمر به ، وعُدَّ ذلك من أكبر وأهمّ مآثره وفضائله . كتب محمود الأرنؤوط محقّق كتاب ابن العماد الحنبلي « شذرات الذهب في أخبار من ذهب » في وصف عمر بن عبد العزيز : ( عدّ عند الكثيرين من أئمّة المسلمين في مقام الخلفاء الراشدين ، والذي له من المكارم ما لا يعدّ ولا يحصى ، ومن أهمّ تلك المكارم أنّه منع الكثير من البدع التي كانت سائدة في عصور من سبقه من خلفاء بني أميّة في الشام ، ولو لم يكن له من المكارم سوى الأمر بتدوين الحديث النبويّ الشريف لكفاه فخراً ) « 1 » . من الواضح ، وطبقاً للأحاديث السابقة أنّ الأمر بتدوين الحديث هو أمرٌ نبويّ قبل أن يكون من مفاخر عمر بن العزيز ، والحديث كلَّ الحديث ليس في أمر من أمر بالتدوين وإنَّما فيمن منع من ذلك ، وفي ملابسات العقود التسعة التي طُبِّق فيها هذا الأمر وما رافقها من تلاعب وعّاظ السلاطين في التراث النبويّ الشريف . لذا فنحن نذهب إلى أن أحد أهمّ خصائص مدرسة أهل البيت ( ع ) هو عدم إيمانها بهذا المنع من جهة ، واستقاؤها التراث النبويّ عبر مصادر مأمونة وموثوقة تنتهي إلى أئمّة أهل البيت ( ع ) من جهة أخرى . علماً أنه حتى أولئك

--> ( 1 ) شذرات الذهب ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 270 . ( الهامش ) .